سهيلة عبد الباعث الترجمان

630

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

والجيلي في موقفه هذا في أمر الصفات لا يلتزم طريق المتكلمين ولا يأخذ برأي المعتزلة في إثبات أو نفي الصفات وتنزيه الحق في هذا الشأن ، بل هو يلتزم الطريق الصوفي في المعرفة ، فلا عمل للعقل والفكر في تحديد ذلك بل بالكشف الذي يوصله إلى معرفة الحقيقة فقال : " وأما نحن فقد أعطانا الكشف الإلهي أن صفاته عين ذاته ، لكن لا باعتبار تعددها ولا باعتبار عدم التعدد ، بل شاهدت أمرا يضرب عنه في المثل ، وللّه المثل الأعلى ، نقطة هي نفس معقولية الكمالات المستوعبة الجامعة لكل جمال وجلال وكمال على النمط اللائق بالمرتبة الإلهية ، وهي أعني الكمالات مستهلكة في وجود النقطة ، والنقطة مستهلكة في وجود الكمالات ، وهي أعني المعبر عنها بالنقطة وبالكمالات في أحديتها يتعقل فيها عدم الانتهاء ، ويستحيل عليها أولية الابتداء . وثمّ أمور أغمض وأدق وأعزّ وأجلّ من أن يمكن التعبير عنها « 1 » . وكان ما كان بما لست أذكره * فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر " « 2 » وهناك من الصفات الخاصة بالذات مما تنفرد بها دون مشاركة الموجودات ، فجماله تعالى وجلاله عبارة عن أوصافه العليا كصفة العظمة والكبرياء ، فالحق يتصف بها ، وهي تشير إلى تفرّد الذات بها ، وأن استيفاءها للخلق محال لأنها مستأثرة عنده ولا مشاركة للخلق فيها . ومن الصفات ما يصرف بحق الذات على وجه العموم ، ومنها على وجه الخصوص ، فإذا كان جمال اللّه عبارة عن أوصافه العليا وأسمائه الحسنى وهو على وجه العموم ، فإن صفة الرحمة والعلم وصفة اللطف والنعم ، وصفة الجود والرازقية والخلّاقية ، وصفة النفع وأمثالها كلها صفات جمال وهي على الخصوص . وثمّ صفات مشتركة لها وجه إلى الجمال ووجه إلى الجلال كإسمه " الرب " . وهكذا فإن جمال الحق سبحانه وتعالى متنوع ، فهو أولا معنوي وهو معاني الأسماء الحسنى والأوصف العلا ، وهذا النوع مختص بشهود الحق إيّاه ، والنوع الثاني صوري وهو هذا العلم المطلق المعبر عنه بالمخلوقات « 3 » . أما جلال اللّه تعالى فإن له ظهورين : منها

--> ( 1 ) الجيلي ، الإنسان الكامل ، الجزء الأول ، ( صبيح ) ، ص . ص 57 - 58 . ( 2 ) المصدر السابق ، الجزء الأول ، ص 58 . ( 3 ) المصدر السابق ، الجزء الأول ، ص 53 .